السيد محمد باقر الصدر
74
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )
ونقد هذا البرهان بصورة كاملة يتطلّب منّا أن نشرح القاعدة التي قام على أساسها ، ونعطي إيضاحاً عن حقيقة النفس وبساطتها ، وهذا ما لا يتّسع له مجالنا الآن ، ولكن يجب أن نشير : أوّلًا - إلى أنّ هذا البرهان إذا أمكن قبوله فهو لا يقضي على نظرية الأفكار الفطرية تماماً ؛ لأنّه إنّما يدلّل على عدم وجود كثرة من الإدراكات بالفطرة ، ولا يبرهن على أنّ النفس لا تملك بفطرتها شيئاً محدوداً من التصوّرات يتّفق مع وحدتها وبساطتها ، وتتولّد عنه عدّة أخرى من التصوّرات بصورة مستقلّة عن الحسّ . ونوضّح ثانياً - أنّ النظرية العقلية إذا كانت تعني وجود أفكار فطرية بالفعل لدى النفس الإنسانية ، أمكن للبرهان الذي قدّمناه أن يردّ عليها قائلًا : إنّ النفس بسيطة بالذات ، فكيف ولّدت ذلك العدد الضخم من الأفكار الفطرية ؟ ! بل لو كان العقليون يجنحون إلى الإيمان بذلك حقّاً لكفى وجداننا البشري في الردّ على نظريتهم ؛ لأنّنا جميعاً نعلم أنّ الإنسان لحظة وجوده على وجه الأرض لا توجد لديه أيّة فكرة مهما كانت واضحة وعامّة في الذهنية البشرية . « وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » « 1 » . ولكن يوجد تفسير آخر للنظرية العقلية ، ويتلخّص في اعتبار الأفكار الفطرية الموجودة في النفس بالقوّة ، وتكتسب صفة الفعلية بتطوّر النفس وتكاملها الذهني . فليس التصوّر الفطري نابعاً من الحسّ ، وإنّما يحتويه وجود النفس لا شعورياً ، وبتكامل النفس يصبح إدراكاً شعورياً واضحاً ، كما هو شأن
--> ( 1 ) النحل : 78